حرية التعبير: بين الدعوة للعودة إلى الوطن… وتزايد التضييق على الحريات”
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون علاقة ثقة متينة بين الدولة والمواطنين. غير أن الثقة لا تُبنى بالخطابات فحسب، بل تقوم بالدرجة الأولى على الانسجام بين الأقوال والأفعال، وعلى الاحترام الفعلي للحقوق والحريات التي يضمنها الدستور.
لقد استبشرنا خيراً بدعوة رئيس الجمهورية التي دعا فيها الجزائريين المقيمين في الخارج، بما في ذلك المعارضون، للعودة إلى وطنهم للمشاركة في النقاش العام والتعبير عن آرائهم بكل حرية، في إطار احترام القانون والمسؤولية. وتعكس هذه الدعوة، في جوهرها، إدراكاً بأن الجزائر بحاجة إلى جميع أبنائها، وأن تنوع الآراء لا ينبغي أن يكون سبباً للإقصاء، بل عاملاً أساسياً للحيوية الديمقراطية.
غير أن هذه الرسالة الإيجابية تكاد تفقد جزءاً كبيراً من أثرها عندما تصطدم بممارسات ميدانية تناقضها تماماً. إن هذا التزايد في الاعتقالات والأحكام القضائية والمساس بالحريات الفردية يشكل إشارة سيئة موجّهة سواء للرأي العام الوطني أو لجاليتنا في الخارج، في وقت تحتاج فيه الجزائر اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مؤشرات التهدئة والانفراج والاسترخاء السياسي.
إن واقع الميدان يطرح تساؤلات عميقة على جميع المستويات:
-سوداوية الخوف في الفضاء الرقمي: بعيداً عن الشخصيات العامة، أصبح جميع المواطنين اليوم يعيشون تحت تهديد مستمر بالمتابعات. فالمنشور البسيط أو أدنى تعليق على شبكات التواصل الاجتماعي ينتقد أداء الحكومة، أو شخصية في السلطة، أو مسؤولاً عمومياً، قد يؤدي بصاحبه مباشرة إلى السجن. إن تجريم النقاش الافتراضي ينشر مناخاً عاماً من الشك والريبة، ويدفع المواطنين إلى فرض رقابة ذاتية خانقة على أنفسهم.
-احتجازات تعسفية دون محاكمة: إن التوقيف الأخير للصحفي مراد آيت ميمو، وإبقاءه قيد الاحتجاز دون محاكمة، يجسد حالة عدم اليقين التي تخيم على ممارسة المهنة وحرية الصحافة.
-قيود إدارية غير بررت: إن اللجوء إلى إجراءات المنع من مغادرة التراب الوطني (ISTN)، على غرار الإجراء الذي طال الصحفي والكاتب مصطفى بلفوضيل — وحرمه بشكل خاص من المشاركة في مهرجان أفيغنون للمسرح — يثير تساؤلات حادة حول أسسها القانونية ومدى ملاءمتها مع روح الانفتاح المُعلنة.
-الضغط القضائي على الفاعلين السياسيين: إن إعادة إدانة الناشط السياسي فتحي غراس مؤخراً تشهد على استمرار منطق تسييس القضاء في التعاطي مع النقاش السياسي والتعامل القضائي مع الاختلاف في الرأي.
إن هذه الحالات لا تخص أفراداً أو مسارات خاصة فحسب، بل تمس مبادئ أساسية. فالحريات لا تُقاس بمن يستفيد منها في لحظة معينة، بل بقدرة كل مواطن على ممارستها بالطمأنينة المطلوبة في إطار القانون. وعندما يشعر المواطن أو الصحفي أو الناشط بأن حقوقه الأساسية يمكن أن تُقيّد دون مبرر واضح أو قرار قضائي مسبّب، فإن مناخ الثقة يتآكل ليترك المجال للشك.
إن الدولة القوية ليست هي التي تخشى الكلمة أو النقد، بل هي التي تجعل من القانون مرجعها الوحيد، وتعتبر حرية التعبير ليست تهديداً للاستقرار، بل إحدى أقوى ضماناته. إن المجتمعات التي تفتح المجال للنقاش، ولالإبداع الثقافي، وللنشاط السياسي الحر، وللنقد المسؤول، هي الأكثر قدرة على الوقاية من الأزمات وبناء مستقبل مستدام.
لقد أصبح من المستعجل اليوم الانتقال من منطق الاستثناء إلى منطق القاعدة: يجب أن تشكل الحريات العامة والسياسية الأصل والمبدأ، ولا يمكن أن يتم أي تقييد لها إلا في إطار الاحترام الصارم للضمانات الدستورية. إن إجراءات المنع من مغادرة التراب الوطني، والاحتجازات الاحتياطية دون محاكمة، والأحكام المتكررة ضد الفاعلين السياسيين، يجب أن تفسح المجال لإرادة سياسية واضحة تهدف إلى التهدئة وتخفيف الاحتقان.
إننا على يقين بأن مستقبل الجزائر لن يُبنى في ظل الخوف من الرأي المخالف، بل من خلال الثقة الممنوحة للمواطنين، واستقلالية القضاء، والتمكين الفعلي للحريات الفردية والجماعية. إن حرية التعبير، وحرية التنقل، وحرية الإبداع، وحرية العمل السياسي ليست تنازلات؛ بل هي الركائز الأساسية للدولة الحديثة.
إن الجزائر التي نناضل من أجلها هي جزائر تدعو أبناءها للعودة دون تردد أو خوف، جزائر لا يطمئن فيها المواطنون بخطاب سياسي ليصطدموا بعد ذلك بممارسات تناقضه. إن الانسجام بين الأقوال والأفعال هو الطريق الوحيد الممكن لاستعادة الثقة، وتثبيت دولة القانون، وبناء جمهورية قوية بكافة مواطنيها.
الدكتور لخضر أمقران
رئيس حزب جيل جديد
حرية للتعبير
